جان لوئيس بوركهارت

147

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

الإهانة منهم بل من أحقر خدمهم ، فقد نهج الخدم نهج سادتهم ، بل بزوهم في هذا المضمار . ولما وصلنا بئر النقيب ومضت الإبل والحمير لتشرب وحملنا القرب لنملأها نزل بعض رجال القافلة إلى البئر جريا على عادتهم ليملأ والدلاء ، في حين ظل البعض فوقها لسحب الدلاء . ولما لم يكن لي صاحب ينزل البئر ليستقى لي فقد اضطررت للبقاء عند البئر طوال العصر حتى جنحت الشمس إلى الغروب ، مما كان باعث سرور وتسلية لرفاقى ، ولولا أن أحد الخبراء أعانني أخيرا وسحب دلوى بعد أن ملأته من البئر لما استطعت التزود بحظى من الماء . وانضمت إلينا في النقيب جماعة صغيرة من التجار كانوا قد تعجلوا الرحيل من دراو فغادروها قبلنا بثلاثة أيام ، ولكنهم رأوا من الخرق أن يعبروا الصحراء وحدهم ، فانتظروا أياما في هذا المكان حتى لحقنا بهم . 10 مارس - بلغنا وادى حيمور بعد أن سرنا ثلاث ساعات في إقليم صخرى وعر سلكنا فيه طريقا يحفل بالحجارة المتفتتة . ووادى حيمور مجموعة آبار ذات شهرة ذائعة في هذه الصحراء . وقبيل بلوغنا هذا المكان مررنا بقبرميت من وجوه المماليك لقى حتفه هناك فأودع أصحابه جثته العارية بين جدران واطئة بنوها بالأحجار الصغيرة ، ثم غطوا القبر بحجر كبير . وساعد جفاف الجو على حفظ الجثة من العطب ، وتطلعت إليها من خلال شتفوق الحجارة المحيطة بها فبدت لي أسلم من أي مومياء رأيتها في مصر . ورأيت الميت فاغرا فاه ، وروى الخبير أنه مات ظمأ مع أن مورد المياه كان قاب قوسين منه أو أدنى . وتفصيل ذلك أن البقية الباقية من المماليك - يقودهم إبراهيم بك الكبير وعثمان بك حسن - كانوا قد رحلوا عن ضفاف النيل قرب إبريم سنة 1810 فرارا من جنود الباشا الذين كانوا يتعقبونهم أينما حلوا ، فاعتصموا بهذه الجبال وحلوا على عرب العبابدة ضيوفا فأنزلوهم مضاربهم ولكنهم لم يتركوا وسيلة إلا التجأوا إليها ليبتزوا منهم كل ما يحملون من مال . فباعوهم الزاد بأفحش الأثمان ، ولما نضبت الآبار لكثرة ما استقت منها جماعة المماليك الكبيرة ، اضطروا للركون إلى أدلائهم العبابدة في التنقل بهم من بئر